ابن أبي الحديد
90
شرح نهج البلاغة
بأسلحتهم ، وعمدوا للصلاة ، فأسرع عباد ومن معه وقضوا صلاتهم ، والحرورية مبطئون ، فيهم ما بين راكع وساجد وقائم في الصلاة وقاعد ، حتى مال عليهم عباد ومن معه ، فقتلوهم جميعا ، وأتى برأس أبى بلال . قال : ويرى الشراة أن مرداسا أبا بلال لما عقد على أصحابه ، وعزم على الخروج رفع يديه ، فقال : اللهم إن كان ما نحن فيه حقا فأرنا آية ، فرجف البيت . وقال آخرون : فارتفع السقف . ويقال : إن رجلا من الخوارج ذكر ذلك لأبي العالية الرياحي ، يعجبه من الآية ، ويرغبه في مذهب القوم ، فقال أبو العالية : كاد الخسف ينزل بهم ، ثم أدركتهم نظرة من الله . قال : فلما فرغ عباد من الجماعة أقبل بهم فصلب رؤوسهم ، وفيهم داود بن شبيب ، وكان ناسكا ، وفيهم حبيبة البكري من عبد القيس ، وكان مجتهدا ، ويروى عنه أنه قال : لما عزمت على الخروج فكرت في بناتي ، فقلت ذات ليلة : لأمسكن عن نفقتهن حتى أنظر ، فلما كان في جوف الليل استسقت بنية لي ، فقالت : يا أبت اسقني ، فلم أجبها ، وأعادت ، فقامت أخت لها فسقتها ، فعلمت أن الله عز وجل غير مضيعهن ، فأتممت عزمي . وكان في القوم كهمس ، وكان من أبر الناس بأمه ، فقال لها : يا أمه ، لولا مكانك لخرجت ، فقالت : يا بنى ، وهبتك لله . ففي مقتلهم يقول عيسى بن فاتك الخطى : ألا في الله لا في الناس سالت * بداود وإخوته الجذوع مضوا قتلا وتمزيقا وصلبا * تحوم عليهم طير وقوع إذا ما الليل أظلم كابدوه * فيسفر عنهم وهم ركوع أطار الخوف نومهم فقاموا * وأهل الأرض في الدنيا هجوع